ملا محمد مهدي النراقي

37

جامع الأفكار وناقد الأنظار

التوجيهين الأولين راجعان إلى بعض الادلّة السابقة ، والأخير دليل على حدة لم يذكر . فالصحيح في الجواب عن الايرادين الأخيرين أن يقال : المقصود بالذات من نفى الأولوية الذاتية امكان اثبات الصانع ، فإذا ثبت انّ بعض الممكنات لا يمكن وجودها بدون أمر موجود مغاير للممكنات ثبت المطلوب . فان قلت : لعلّ الموجود الأوّل هو الأمر الآني أو الزمان . وتنتهي سلسلة الممكنات الموجودة إليه ، وهو يوجد بمجرّد الأولوية للإيرادين المذكورين ؛ قلنا : مجرّد الأولوية لا يكفى لوجود كلّ واحد من الأمر الآني والزماني ، إذ لو كان كافيا له لكان مستلزما له والمفروض انّ ذات الممكن مقتضية للأولوية ، فتكون مستلزمة لها . فالذات مستلزمة للأولوية والأولوية مستلزمة للوجود ، فالذات مستلزمة للوجود ، فيكون موجودا دائما ولا يجوز زوال الوجود عنها ، هذا خلف ؛ هذا ! . وأمّا بطلان الأولوية الخارجية - ويقال لها : « الأولوية الغيرية » أيضا - فاعلم أوّلا انّ المراد بها أن يجعل الفاعل أحد طرفي الممكن أولى ويوجده بمجرّد هذه الأولوية من غير أن يجعله واجبا . وإذ عرفت ذلك فاعلم ! انّا قد بيّنا فيما سبق انّ الشيء ما لم يجب لم يوجد وبه ثبت بطلان الأولوية الذاتية بأدنى تغيير ، مثلا نقول في الدليل الاوّل : لو وجد الممكن بعلّة مرجّحة غير موجبة فلا يخلوا انّه مع هذا الرجحان امّا يجوز وقوع عدمه جوازا ذاتيا أو لا ، فعلى الثاني يكون الطرف الراجح واجبا وفرض ممكنا ، هذا خلف ! ؛ وعلى الأوّل فإذا فرض وقوع عدمه فلا بدّ من رجحانه على طرف الوجود لانّه ما لم يترجّح لم يتصوّر له الوقوع لايجابه ترجيح المرجوح ، فيصير الطرف المرجوح - أعني : العدم - راجحا على الطرف الآخر - اعني : الوجود - وهذا مناف لما اقتضته العلّة ، لانّ المفروض أنّها اقتضت أولوية الوجود ، فكيف صار العدم أولى ! ؟ . ونقول في الدليل الآخر : الممكن إن ترجّح وجوده مثلا بالأولوية الخارجية امّا يجوز عدمه ، أو لا ؛ فعلى الثاني لم يكن ما فرضناه أولوية أولوية بل وجوبا ، هذا خلف ! . وعلى الأوّل فلنفرض وقوعه معها تارة وعدم وقوعه معها أخرى ، فامّا أن لا يتفاوت رجحانه الحاصل من العلّة في الحالين أصلا لزم ترجّح أحد المتساويين على الآخر